الشنقيطي
55
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وأورد بقية الآيات هنا في مبحث مفصل ، فذكر آية الرحمن وآية الحديد ، وتكلم على الجميع بالتفصيل . وفي قوله تعالى في سورة الرحمن : وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ [ الرحمن : 7 ] ، مقابلة عظيمة بين رفع السماء الذي هو حق وعدل وقدرة ، والميزان وضعه في الأرض ، لتقوموا بالعدل والإنصاف ، وبهذا العدل قامت السماوات والأرض . وفي سورة الحديد اقتران الميزان بإرسال الرسل وإنزال الكتب لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [ الحديد : 25 ] . ومعلوم أن الميزان الذي أنزل مع الكتاب هو ميزان الحق والعدل ، والنهي عن أكل أموال الناس بغير حق ، وعدم بخس الناس أشياءهم . فكانت هذه الآية أعم وأشمل آيات الوفاء في الكيل والوزن ، بمثابة قوله تعالى : * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [ النساء : 58 ] . وقد جمع لفظ الأمانة ليعم به كل ما يمكن أن يؤتمن الإنسان عليه . وكذلك هنا الميزان مع الكتاب المنزل ، وبه يستوفي كل إنسان حقه في أي نوع من أنواع التعامل ، فكل من غش في سلعة أو دلّس أو زاد في عدد ، أو نقص أو زاد في ذرع ، أو نقص فهو مطفف للكيل ، داخل تحت الوعيد بالويل . فمن باع ذهبا مثلا على أنه صاف من الغش وزن درهم ، وفيه من النحاس عشر الدرهم ، فقد نقص وطفف لنفسه فأخذ حق درهم كامل . ذهبا ، ونقص حيث أعطى درهما إلا عشر . ومن باع رطلا سمنا وفيه عشر الرطل شحما ، فقد طفف بمقدار هذا العشر لنفسه ، ونقص وبخس المشتري بمقدار ذلك : وهكذا من باع ثوبا عشر أمتار وهو ينقص ربع المتر فقد طفف وبخس بمقدار هذا الربع . وهكذا في القسمة بين الناس وبين الأولاد ، وبين الأهل وكل ما فيه عطاء ، وأخذ بين اثنين ، اللّه تعالى أعلم .